ابن الجوزي

369

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

اعتزلها فلا تقربها . قال : وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك . قال : فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت له : يا رسول الله إن هلالا شيخ ضائع ليس له خادم ، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : » لا ولكن لا يقربنك « قالت : فإنه والله ما به حركة إلى شيء ، والله ما يزال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا . قال : فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه ، قال : فقلت : والله لا استأذن فيها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وما أدري ما يقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا استأذنته وأنا رجل شاب . قال فلبثنا بعد ذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا . قال : ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تبارك وتعالى منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت الأرض بما رحبت ، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع [ 1 ] يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر ، قال : فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج / وآذن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بتوبة الله عز وجل علينا حين صلَّى صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي يبشرون ، وركض إلي رجل راكب فرسا ، وسعى ساع من أسلم وأوفى الجبل ، فكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما جاءني الَّذي سمعت صوته [ يبشرني ] نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشارته ، وو الله ما أملك غيرهما يومئذ ، فاستعرت ثوبين ، فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون يهنك توبة الله عليك ، حتى دخلت المسجد ، فإذا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جالس في المسجد حوله الناس ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره . قال فكان كعب لا ينساها لطلحة . قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، قال وهو يبرق وجهه من السرور : » أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك « قال : قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ، قال : » لا بل من عند الله « . قال : وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر حتى يعرف ذلك منه .

--> [ 1 ] في الأصل : « صارخا على جبل شامخ » .